أين كانت مؤسسة النقد فى لغز مكافآت البنك السعودي – الفرنسي ؟

0

f01ed8022d64c3402095df625a50494aلعل أكبر مشكلة تواجه الشركات والأسواق المالية والمؤسسات الحكومية هي المعاملات مع ذوي العلاقة، فهناك توجد الثغرة الرئيسية التي يستطيع أن ينفذ منها كبار التنفيذيين من أجل تجاوز نظام الرقابة الداخلية، وتجاوز المراجعين الداخليين والخارجيين وكل المؤسسات الرقابية، ولذلك خصصت لها معايير المحاسبة كثيرا من النقاشات، ونطلب من كل المتدربين مراقبة هذا النشاط والبحث عنه بدقة.

ولم تتورط شركة إنرون إلا مع أطراف ذوي علاقة، “وكانت شركة صغيرة صنعها مجلس إدارة إنرون للتخلص من رصيد العملاء”، وأيضا فعلتها شركة أوليمبوس اليابانية التي صنعت لها شركة في سنغافورة لإخفاء أسهم خسارة والتخلص منها، ورغم الإفصاح الذي نطالب به عن العمليات مع ذوى العلاقة إلا أن الممارسات تبقى سيئة. ولعل ما حدث من احتيال في البنك السعودي – الفرنسي على نظام المكافآت دليل حي على نقص الإفصاح.

لقد جاء إعلان البنك عن قضية المكافآت والحوافز موهما بشكل كبير، حيث أرجع مشكلة المكافآت تلك إلى تجاوز الصلاحيات، وكأنها مشكلة إدارية إجرائية بحتة، بمعنى أن المديرين – هداهم الله – لم يلتزموا بالإجراءات، هكذا ببساطة يريد منا البنك السعودي – الفرنسي أن نصدق إعلانه، ناهيك عن أن البنك قد صدع رؤوسنا خلال السنوات الماضية بحوكمة المكافآت، كما أن لجنة المكافآت تتضمن عددا من المستقلين، وهناك مراجعان خارجي وداخلي، ولم تكن كل تلك الأطراف لترضى بهذه التجاوزات الإجرائية ــ كما يظن البعض ــ إلا في حالة واحدة، إذا كانت مغطاة بشكل محترف، وأقول هنا إنه من المحتمل بشكل كبير أنه قد تمت تغطيتها بعمليات مع ذوي العلاقة ولم يفصح عنها البنك كما ينبغي، ولهذا أيضا نفهم كيف أعلن مجلس الإدارة أن أثر هذه المكافآت لن يؤثر في القوائم المالية، فقد جاءت مستحقات التنفيذيين بناء على عمليات مالية تم إثباتها في السجلات المحاسبية، وأخذ المديرون مكافآتهم عنها.

لقد نشر البنك خلال السنوات من عام 2012 حتى 2016 إجمالي مبلغ المكافآت قصيرة الأجل المدفوعة لموظفي الإدارة العليا التي بلغت خلال هذه السنوات 116 مليونا و 115 مليونا و105 ملايين و113 مليونا و111 مليونا، على التوالي، إن هذه العمليات قد قفزت من مبالغ لا تتجاوز 55 مليونا في عام 2008، ومن الملاحظ جدا أن هذا الإفصاح جاء بعد بند مهم جدا أيضا وهو المعاملات مع ذوي العلاقة.

ولا يمكن الحكم بشكل كامل على العلاقة الكاملة والتفصيلية بين المعاملات مع ذوي العلاقة وبين مشكلة المكافآت هذه التي أعلن عنها البنك، لكن لفهم الحالة وكيف أثرت في البنك السعودي – الفرنسي يجب أن نعود إلى مقارنة هذا الرقم مع بنوك أخرى، وبدون تحديد أسماء فقد ظهرت مكافآت كبار الموظفين و تحت بند معاملات مع ذوي العلاقة 36 مليونا فقط، ولم تقفز بشكل جوهري من عام 2008 حتى عام 2016 بل بقيت تراوح حول هذا الرقم، وهذا البنك له علاقات دولية كما هو حال البنك الفرنسي، وفي بنك آخر ظهر هذا البند أيضا بجانب معاملات مع ذوي العلاقة بلغت قريبا من 40 مليونا، وهنا الفرق واضح جدا بين ما كان يدفعه البنك السعودي – الفرنسي بشكل متصاعد ومنتظم في تصاعده وبين ما تدفعه البنوك الأخرى.

السؤال وبينما هذه المقارنة واضحة: أين كانت مؤسسة النقد؟
من المتوقع أن كبار الموظفين الذين تورطوا في هذه المكافآت والحوافز التي أشار إليها البنك السعودي – الفرنسي في إعلانه كانوا يطورون عمليات خاصة مع أطراف أخرى وبشكل متعمد من أجل تضخيم قيمة المكافآت وفقا لسياسة المكافآت التي أقرها البنك، وإذا ربطنا هذه الحالة بما حصل في اكتتاب البنك الأهلي على وجه الخصوص ــ وهناك مقال لي بهذا الشأن ــ فإن الأمر يدعو إلى القلق فعلا، بل لعل هذه السياسات غير المعلنة لنا بشكل كامل كانت تستهدف تضخيم الأرقام كما حصل في اكتتاب البنك الأهلي.

وإذا صح هذا الفهم “وأنا أتحفظ هنا على مثل هذا التحليل، حيث ما زلنا ننتظر نتائج التحقيقات”، فإنني أقول لكم بصراحة إن هذه التجربة مختلفة جدا، وإن ما حصل في البنك السعودي – الفرنسي لم يحصل فيما أظن في مؤسسة قبل ذلك، لأن المعاملات مع أطراف ذوي علاقة كانت تتم دوما تحت ضغط مباشر من أعضاء مجلس الإدارة لأسباب تتعلق بمنح شركاتهم الأخرى مزايا و أرباحا غير عادية، لكن أن يقوم الجهاز التنفيذي من جانبه بتعظيم وترتيب هذه العلاقات من أجل دعم المكافآت فإن هذه الحالة إبداعية.

أكرر هنا أن أكبر المشكلات التي تواجهنا هي العمليات مع ذوي العلاقة، وعلى هيئة السوق المالية أن تفعل شيئا، لكن بشكل عام إذا كانت الحالة هذه فإنني لا ألوم المراجع الداخلي للبنك السعودي – الفرنسي ولا لجنة المكافآت ولا حتى المراجع الخارجي، لذلك إن أخطر قضايا الرقابة الداخلية في عالم الشركات المساهمة هي ما نسميه النغمة عند القمة TUNE AT THE TOP فمهما كانت إجراءاتها الرقابية ومهما حرصت، إذا كانت نغمة الإدارة العليا هي الاحتيال فستفعلها وتعممها على الجميع كفعل حسن، وستجد تغطية شرعية لها، وعندما تقول الإدارة العليا إنها تقوم بما يجب عليها، فعلى الموظفين الذين عينتهم الإدارة الالتزام بالنغمة، وإلا فسيتم إخراجهم من تشكيل المعزوفة، وإذا قرر أحدهم الشكوى فسيقال إنه مفصول وينتقم.

أترك تعليقك