الفائدة السلبية

0

يمارس سعر الفائدة دوراً كبيرا في الاقتصاد من خلال نافذة القطاع المصرفي والاسواق المالية المحلية والعالمية، فهو الذي يعمل على تحقيق التوازن الاقتصادي العام في الاقتصاد الوضعي ما بين سوق السلع وسوق النقود في ظل السياسة السليمة التي تتبعها الإدارة النقدية للبنك المركزي، في حين لن تعني الفائدة شيئاُ في الاقتصاد الإسلامي وتسمى بالربا لأنه يرى أن النقود هي وسيلة للتبادل وليس موفّر للأموال، سعر الفائدة بشكل عام والسلبية بشكل خاص يمثل سعر الفائدة المتغير الاقتصادي الذي يربط بين المقرضين والمقترضين في علاقات مالية ونقدية.

1-43-701x1024

إذ يعتبر السعر الذي يدفعه المقترض لقاء استخدامه الأموال المقترضة لفترة زمنية معينة يُتفق عليها أي (سعر الائتمان)، ويتأثر بمجموعة من العوامل النقدية مثل عرض النقود والتضخم وعجز الموازنة العامة وغيرها، والعوامل الحقيقية كالنشاط الاقتصادي ومعدل النمو الاقتصادي وعجز الحساب الجاري وغيرها، تأثير هذه العوامل يكون بشكل طردي او عكسي مع سعر الفائدة وانعكاسه على الاقتصاد بشكل مباشر او غير مباشر، و من غير المنطق أن يودع شخص ما أمواله في المصرف من أجل دفع فائدة الى المصرف بل العكس هو الصحيح، أي أن الشخص يودع أمواله في المصرف من أجل الحصول على الأموال والتي يعبر عنها بسعر الفائدة الاسمية، كما أن المصارف تعمل على إقراض أمواله من أجل الفائدة أيضاً وليس العكس، أي لم تقرض أموالها من أجل دفع الفائدة لمن يقترضها، وبما أن المصارف دائماً ما تكون مُراقبة او تحت سيطرة البنك المركزي، فإن هذا الاخير في بعض الأحيان يتخذ سياسة نقدية غير تقليدية وهي سعر الفائدة الصفرية او السلبية اي يفرض على المصارف ان تقوم بإقراض أموالها للمقرضين بفائدة صفرية لتقليل كلفة الاقتراض من أجل تحفيز المستثمرين على الاقتراض وتشجيع النشاط الاقتصادي.

1-43-701x1024

وفي حالة عدم توظيف أموالها من خلال إقراضها للمقترضين او استثمارها في النشاط الاقتصادي، فان البنك المركزي سيفرض فائدة اقل من الصفر على المصارف أي أن المصرف يدفع فائدة إلى المصرف المركزي في حالة الاحتفاظ بأموالها أي تجمدها داخل المصارف، وكذا الحال بالنسبة للفرد فإنه يدفع فائدة على أمواله إلى المصارف في حالة قيامه بإيداع أمواله في المصرف لأن البنك المركزي يأخذ فائدة من المصارف التي تستقبل إيداعات الأفراد، وهذه تُعرف بـ “الفائدة السلبية”.

1-43-701x1024

بعض الآثار الايجابية للفائدة السلبية على الاقتصاد وعلى هذا الأساس، فان أي دولة ترى اقتصادها يعاني من حالة الركود فان باستطاعتها العمل على معالجة هذا المشكلة من خلال قيام البنك المركزي بممارسة دوره على المصارف وفرض فائدة سلبية عليها مقابل احتفاظها بالأموال، هكذا عمل يؤدي إلى جعل الكفاية الحدية لرأس المال أعلى ما يُمكن، ويؤدي ايضاً إلى عقاب المدخرين (أفراد ومصارف) كنتيجة لعدم توظيف أموالهم في النشاط الاقتصادي، وبالتالي سيضطر المدخرين الى استنفار كافة أموالهم وتوظيفها في النشاط الاقتصادي للحصول على الكفاية الحدية العالية والتخلص من تكاليف الادخار (الفائدة السلبية)، مما يفضي إلى زيادة الطلب على الأيدي العاملة وزيادة الدخول وزيادة الطلب مرة أخرى وتحقيق زيادة انتاج السلع والخدمات أي تحقيق النمو الاقتصادي.

2-16-500x500

ونتيجة زيادة الانتاج من السلع والخدمات ستنخفض الاسعار وينخفض التضخم، كما ان زيادة الإنتاج تؤدى الى تلبية الطلب المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي ومن ثم تشجع التصدير وتحسين ميزان المدفوعات، وهذه هي أهداف الاقتصاد الكلي قد تم تحقيقها في ظل فرضية قيام البنك المركزي بفرض الفائدة السلبية على المدخرات وفي ظل توفر بيئة استثمارية مناسبة وجهاز انتاجي مرن يستجيب للتغيرات التي تحصل في الطلب الكلي، و أن تحسن الدخول والأرباح وزيادة راس المال وغيرها، سيمكن الدولة من سهولة فرض الضرائب عليها لتمويل النفقات العامة بشقيها الجارية والرأسمالية.

2-16-500x500

بعض الآثار السلبية للفائدة السلبية على الاقتصاد لكن في حالة فرض فائدة سلبية مع عدم توفر بيئة استثمارية مناسبة تشجع المستثمرين على الاقتراض وتجعل الكفاية الحدية لرأس المال على ما يُمكن، وعدم وجود جهاز انتاجي مرن يستجيب للتغيرات التي تحصل في الطلب الكلي، سيؤدي فرض الفائدة السلبية إلى آثار اقتصادية معاكسة، فهذه الأموال تتجه نحو الاكتناز من قبل الأفراد دون المصارف لان المصارف مراقبة من قبل البنك المركزي لا يُسمح بهذا العمل وحتى الادخار لا يُسمح به في حالة تم فرض الفائدة السلبية عليها، او تهاجر دولياً الى البيئة المناسبة لها من قبل الأفراد والمصارف معاً، ومن ثم انخفاض حجم الأموال المعدة للإقراض ومن ثم انخفاض إنتاج السلع والخدمات فترتفع أسعارها ويحدث التضخم وينخفض النمو الاقتصادي و حصول عجز في ميزان المدفوعات، وهذا ما يعني أنها الفائدة تؤثر سلباً على أهداف الاقتصاد الكلي.

2-16-500x500

كما توثر الفائدة السلبية على الموازنة العامة سلباً، أي إذا تم فرضها في ظل عدم توفر البيئة المناسبة وعدم مرونة الجهاز الإنتاجي، في هذه الحالة تنخفض الدخول والأرباح كنتيجة لانخفاض الكفاية الحدية لرأس المال (سعر الفائدة الحقيقي) وعدم قدرة الدولة على استيفاء الإيرادات الضريبية ومن ثم انخفاض الإيرادات العامة التي تمول النفقات العامة ومن أجل تلبية هذه النفقات لابد من اللجوء إلى الضرائب وهذا مستحيل لعدم قبول الأفراد منتجين ومستهلكين بها بسبب انخفاض دخولهم وعدم قدرتها على تحمل الضرائب، كما يمكن اللجوء إلى استخدام التمويل بالعجز (الاصدار النقدي الجديد) لتمويل تلك النفقات لكن التمويل بالعجز يؤدي الى ارتفاع التضخم، او قيام الدولة بالاقتراض من الداخل او من الخارج الذي يدخل البلد في نفق التبعية، وهذا ما يعني أنها تؤثر سلباً على الموازنة العامة والعكس صحيح، أي أنها تؤثر بشكل إيجابي في حالة توفر البيئة المناسبة وتمتع الجهاز الإنتاجي بالمرونة الكافية.

Kansas_City_Southern_Lines_logo.svg

بعض الدول المطبقة للفائدة السلبية يمكن الاستشهاد بمجموعة من الدول التي طبقت سياسة سعر الفائدة السلبية لتحويل الاموال المصرفية الى النشاط الاقتصادي وتحقيق اهداف الاقتصاد الكلي، وهي كل من سويسرا والدنمارك والسويد واليابان … إلخ، هذا ما يعني ان سعر الفائدة يؤثر على الاقتصاد العالمي، اذ تشير الأرقام المتاحة إلى أن خمس الناتج المحلي الإجمالي على المستوى العالمي يأتي حاليا من بلدان تطبق سياسة الفائدة السلبية، بما فيها اليابان والاتحاد الأوروبي والدنمارك وسويسرا والسويد، وأن عدد سكان تلك المجموعة من بلدان الفائدة السلبية يبلغ نحو 500 مليون نسمة، وربما يكون ذلك مؤشرا على اتساع نطاق هذه السياسات على المستوى العالمي، إلا أن هذا لا يعني في نظر كثير من المختصين نجاحها حتى الآن.

2-16-500x500

اذ اشارت بعض المصادر ان البنك المركزي في اليابان تبني خطوة مفاجئة في سياسته النقدية (غير التقليدية) أي قام بتخفيض أسعار الفائدة إلى -0.1 في المئة، وأعلن البنك المركزي الياباني، الإبقاء على معدلات الفائدة السلبية كما هي، والتوسع في سياسة التحفيز النقدي، من أجل تحفيز النمو الاقتصادي، يعني أن البنك المركزي يفرض على البنوك التجارية دفع نسبة 0.1 في المئة على بعض ودائعها، وكانت من نتائج تطبيق هذه السياسة النقدية غير التقليدية في اليابان هو ان المصارف اليابانية قد خسرت بنحو 35 في المائة، كما خسرت أسهم المصارف الأوروبية نحو 30 في المائة أما المصارف الأمريكية فإن أسهمها تراجعت بما يقارب 20 في المائة، و هذه النسب تؤكد على مدى فاعلية السياسة النقدية غير التقليدية التي اتبعتها كل من اليابان والدول الأوروبية في حين انها كانت اقل بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، هذا ما جعل المخاوف تتصاعد لدى الكثير من المصارف حول العالم من أن يؤدي تبني سعر الفائدة السلبية أن تصبح قاعدة عالمية، وهو ما قد يضر القطاع المصرفي على المستوى العالمي بشكل كبير.

2-16-500x500

وفي الختام، السؤال الذي يُطرح نفسه، هل بالإمكان تطبيق سعر الفائدة السلبية من قبل البنك المركزي العراقي، لزيادة حجم السيولة النقدية وتحفيز النمو الاقتصادي وتقليل حجم البطالة، الجواب بالتأكيد هو النفي، وذلك لعاملين رئيسيين العامل الاول: عدم مرونة الجهاز الإنتاجي؛ لأنه حتى ولو تم تخفيض اسعار الفائدة الى ما تحت الصفر لن يتحسن الوضع الاقتصادي إلا بشكل طفيف جداً، وذلك بسبب العامل الثاني: غياب البيئة الاستثمارية المناسبة المشجعة والمحفزة لمستثمرين أجانب ومحليين من الاستثمار في العراق وزيادة النمو الاقتصادي وتقليل حجم البطالة، لذا ينبغي العمل على اتجاهين هما رفع مرونة الجهاز الانتاجي لأي تغيرات تحصل في الأسعار كنتيجة لزيادة كمية النقود المتداولة بفعل تطبيق السياسة النقدية غير التقليدية (الفائدة السلبية) وهذا ما يساهم بتقليل البطالة وزيادة النمو الاقتصادي، وهذا لن يتحقق مالم يتم الاهتمام بالبيئة الاستثمارية المناسبة المشجعة والمحفزة لتحقيق كل ما يصبو إليه الاقتصاد.

أترك تعليقك