تقرير : “الديون والنفط” قيود مالية تشل الاقتصاد العالمي … و عجز الدول و البنوك عن السداد

0

تواجه كبرى شركات الطاقة العالمية أعلى مستويات من الدين على الإطلاق، وسط كفاحها مع أسعار الخام المنخفضة، و قد بلغ إجمالي صافي دين “إكسون موبيل”، “رويال داتش شل“، “بي بي”، و”شيفرون” 184 مليار دولار، أي أكثر من ضعف المستويات التي شهدتها تلك الشركات عام 2014، وأكد مسؤولون لدى “بي بي” و”شل“، “إكسون” و”شيفرون” للمستثمرين أنهم سيولدون ما يكفي من المال في عام 2017 من أجل دفع توزيعات نقدية واستثمارات جديدة، ولكن بعض المستثمرين يتشككون في ذلك.

وتتراكم الديون رغم تخفيضات بمليارات الدولارات في الإنفاق على المشروعات الجديدة والعمليات الحالية، وسداد الديون قد يؤثر على الشركات لسنوات، مقلصًا قدراتها على تنفيذ استثمارات ومواصلة ضخ المزيد من النفط والغاز، وأوضحت شركات النفط أن لديها العديد من الأدوات للمساعدة في تحمل الدين، من بينها بيع أصول، و ، إلى جانب مواصلة خفض التكلفة، كما أن معدلات الفائدة القياسية المتدنية تساعد في تخفيف بعض الألم.

و لم تتوقف أضرار أزمة هبوط أسعار النفط عند قلة موارد الدول المنتجة، بل تسببت في مشكلة أخرى هي ثقل الديون التي تطالب بتسديدها الشركات النفطية وبعضها يعد من الشركات الكبرى، التي وافقت على تسديد الدول المدينة لها بالنفط بدلا من الأموال، وهذا الأمر أضاف أعباء كبيرة على الدول الفقيرة حتى وإن كانت تنتج النفط، فقد وجدت الدول الفقيرة المنتجة للنفط التي قبلت قروضا على أن تسددها نفطا عندما كانت الأسعار مرتفعة، وجدت أن عليها أن تشحن ثلاثة أمثال الكميات التي كانت تتوقعها للوفاء بمواعيد السداد بعد انخفاض الأسعار، وتسبب ذلك في عجز مالي في دول مثل أنجولا وفنزويلا ونيجيريا والعراق وأدى إلى انقسامات جديدة في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).

وثمة مشكلة تتمثل بالصراع بين الدول الأفقر والدول الغنية حول التوصل الى اتفاق لتجميد الانتاج، وهذا مرفوض بالنسبة للدول الغنية، ومضر جدا للدول الفقيرة التي تسعى لرفع الاسعار من خلال تقليل الانتاج، فقد واصلت الدول الأفقر الأعضاء فيها الضغط من أجل خفض الانتاج لرفع الأسعار لكن الدول الخليجية الثرية التي لا تكبلها مثل هذه الديون تعارض التحرك رغم أن الأسعار انخفضت بنسبة 60 في المئة خلال العامين الأخيرين.

كذلك هناك دول صغيرة تدين لشركات صينية عملاقة، وعليها تسديد ديونها بالنفط، كما اقترضت الإكوادور إحدى دول أوبك الأصغر ما يصل إلى ثمانية مليارات دولار ستسددها نفطا من شركات صينية وتايلاندية في الفترة من 2009 إلى 2015 وذلك وفقا لما ذكرته شركة النفط الوطنية، وعلى النقيض من هذه الدول فإن أعضاء منظمة أوبك من دول الخليج العربية – السعودية والامارات والكويت وقطر – ليس لديها مشروعات مشتركة تذكر مع شركات النفط ولم تبرم اتفاقات من هذا النوع مع الصين ولا تحتاج للاقتراض من الشركات التجارية.

وليس الدول وحدها تعاني من الديون بل انتقل الأمر الى البنوك أيضا، إذ أظهر تقرير أن حجم الديون في البنوك الآسيوية قفز إلى أعلى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية وأن الاتجاه سيزداد سوءا على الأرجح في الوقت الذي تصارع في اقتصادات المنطقة في مواجهة التباطؤ في الصين وتقلب أسعار النفط والسلع الأولية، المشهد معقد ويحتاج الى سياسات دقيقة في مجال الانتاج وتصريف الفائض النفطي، والمشكلات تكبر وتتضاعف ولا توجد حلول سحرية في الآفاق القريبة، وليس الدول الفقيرة وحدها من تواجه المصاعب، وانما حتى الدول الاوربية تواجه معوقات ومشكلات في هذا الجانب.

ألمانيا ثاني دولة تصدر سندات عشرية
في هذا السياق أصبحت ألمانيا ثاني دولة بمجموعة السبع بعد اليابان تصدر سندات لأجل عشر سنوات ذات عائد سلبي مما يسلط الضوء على استعداد المستثمرين لحيازة الديون ذات التصنيف الممتاز حتى مع انهيار العوائد في أنحاء العالم، وأصبح عائد السندات الحكومية الألمانية لأجل عشر سنوات سلبيا للمرة الأولى في عطاء مع وصول متوسط العائد إلى أدنى مستوياته على الإطلاق لهذه الورقة المالية عند -0.05 بالمئة، وعوائد السندات لأجل عشر سنوات الصادرة عن ألمانيا – وهي مصدر السندات القياسي لمنطقة اليورو – متداولة دون صفر بالمئة في السوق الثانوية منذ ثلاثة أسابيع وسجلت مستوى قياسيا منخفضا الأسبوع الماضي عند حوالي -0.20 بالمئة.

الهند تواجه معضلة تحفيز البنوك
فيما يواجه أورجيت باتل المحافظ الجديد لبنك الاحتياطي الهندي (البنك المركزي) الذي يشغل المنصب في أوائل الشهر المقبل تحديات كبيرة صعبة من بينها مشكلة مزمنة عاصرها مع سلفه راجورام راجان وتتمثل في كيفية تحفيز البنوك الحكومية لإجراء خفض كبير في تكلفة الاقتراض لدعم الاقتصاد، وتحت قيادة راجان خفض المركزي سعر الفائدة على القروض 150 نقطة أساس منذ أوائل العام الماضي لكن البنوك خفضت تلك الفائدة بنحو النصف فقط وتقول إنها تستطيع فقط أن تتحمل خفضا آخر بنحو 10-15 نقطة أساس في الأشهر المقبلة، ويعلم باتل جيدا أن مقاومة البنوك تشكل عقبة أمام السياسة النقدية في سعيها لتعزيز الاقتصاد الكلي.

لكن يقول مصرفيون إنهم سيقاومون الضغوط لإجراء خفض كبير في الفائدة مشيرين إلى تأثير ذلك على الأرباح في الوقت الذي يسعون للتخلص من قروض متعثرة بقيمة 120 مليار دولار وهو ما يظهر محدودية سلطات محافظ المركزي بحسب رويترو. وبالنسبة للحكومة فإنها تعارض التدخل في هذا الموضوع. ورغم أن حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي ترغب في خفض أسعار الفائدة وهو ما قد ينعش استثمارات الشركات إلا أنها غير قادرة على الضغط على البنوك المملوكة للدولة نظرا للتأثير المحتمل على الأرباح.

سداد الديون بالنفط معوق للدول الفقيرة
من جهتها وجدت الدول الفقيرة المنتجة للنفط التي قبلت قروضا على أن تسددها نفطا عندما كانت الأسعار مرتفعة أن عليها أن تشحن ثلاثة أمثال الكميات التي كانت تتوقعها للوفاء بمواعيد السداد بعد انخفاض الأسعار، وتسبب ذلك في عجز مالي في دول مثل أنجولا وفنزويلا ونيجيريا والعراق وأدى إلى انقسامات جديدة في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، وقبل الاجتماع المقرر أن تعقده المنظمة الأسبوع المقبل واصلت الدول الأفقر الأعضاء فيها الضغط من أجل خفض الانتاج لرفع الأسعار لكن الدول الخليجية الثرية التي لا تكبلها مثل هذه الديون تعارض التحرك رغم أن الأسعار انخفضت بنسبة 60 في المئة خلال العامين الأخيرين.

و الناس تميل للنظر إلى حجم الانتاج الحالي لكنك إذا خصصت انتاجك بالكامل للصين أو لغيرها سدادا لقروض فلن يمكنك الاستثمار لمواصلة النمو ولن تستفيد من ارتفاع الأسعار في المستقبل.” ، كما أصبحت الصين أكبر ممول لفنزويلا عن طريق برنامج النفط مقابل القروض الذي حصلت فنزويلا بمقتضاه على 50 مليار دولار مقابل السداد نفطا منها خمسة مليارات دولار في سبتمبر ايلول الماضي، ورغم أن تفاصيل القروض لم تعلن على الملأ فقد قدر محللون لدى بنك باركليز أن كراكاس ستسدد سبعة مليارات دولار لبنكين هذا العام وتحتاج إلى نحو 800 ألف برميل يوميا للسداد ارتفاعا من 230 ألف برميل فقط عندما كان سعر النفط 100 دولار للبرميل. وفي الأسبوع الماضي قالت فنزويلا إنها توصلت إلى اتفاق مع الصين لتحسين شروط القروض الأمر الذي أتاح متنفسا لاقتصادها، ولم تعلن الشروط الجديدة.

وفي حين أن كل دولار من مبيعات النفط يدخل خزانة الدولة في السعودية فقد وجهت الدول الأفقر الأعضاء في أوبك جانبا كبيرا من إيراداتها النفطية لسداد الديون فلم يتبق لديها أموال للاستثمار في البنية الأساسية وتطوير الحقول، ونتيجة لذلك أصبحت نيجيريا وفنزويلا تواجهان الآن انخفاضا حادا في الانتاج في الوقت الذي تستعد فيه السعودية لزيادة إمداداتها لأنها استثمرت بكثافة في الحقول الجديدة، وهذا يسهم في تفسير سبب مقاومة السعودية للتوصل إلى اتفاق عالمي لتقليل الانتاج لأن عدم تكبيلها بالديون معناه أنها قادرة على استخدام الأموال في التطوير وتعزيز وضعها كقوة مهيمنة في أسواق النفط، أما نيجيريا وفنزويلا فتحتاجان بشدة للتوصل إلى اتفاق يقلص الانتاج ويرفع الأسعار لمساعدتهما على الاستثمار في الحقول النفطية وسداد الديون بكميات أقل من النفط.

وقالت حليمة كروفت رئيس قسم استراتيجيات السلع الأولية لدى آر.بي.سي كابيتال “ربما تكون اضطرابات الامدادات المتصاعدة في الدول المضغوطة لا العمل الجماعي من خلال المنظمة هي التي تتسبب في نهاية المطاف في التعجيل بإعادة التوازن للسوق.”، في حين قال وزير المالية المصري في حديث تلفزيوني إن الدين الخارجي لمصر سيصل إلى 53.4 مليار دولار إذا حصلت بلاده على قرض صندوق النقد الدولي، وكانت مصر قالت الأسبوع الماضي إنها تسعى للحصول على أربعة مليارات دولار سنويا على مدى ثلاثة أعوام من صندوق النقد الدولي للمساعدة في سد الفجوة المتعلقة بالإنفاق، ووصلت بعثة من صندوق النقد الدولي إلى مصر في زيارة تستغرق أسبوعين للتفاوض بشأن القرض.

الديون ببنوك آسيا عند أعلى مستوى
وقد أظهر تحليل لبيانات رويترز أن حجم الديون المعدومة في البنوك الآسيوية قفز إلى أعلى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية وأن الاتجاه سيزداد سوءا على الأرجح في الوقت الذي تصارع في اقتصادات المنطقة في مواجهة التباطؤ في الصين وتقلب أسعار النفط والسلع الأولية، وأظهر مسح للبنوك أن إجمالي القروض المعدومة التي تراكمت لدى 74 بنكا من كبار البنوك الآسيوية المدرجة في البورصة مع استثناء البنوك الهندية واليابانية بلغ أعلى مستوى منذ عام 2008 بنهاية 2015 عند 171 مليار دولار، وقفز حجم القروض المتعثرة بنسبة 28 بالمئة على أساس سنوي بما يعادل تقريبا مثلي حجم النمو في 2013.

وقال محللون ومصرفيون إن البنوك المركزية الآسيوية خفضت أسعار الفائدة لضمان وفرة السيولة لكن النمو الاقتصادي المتذبذب وضعف الطلب على الصادرات سيؤديان على الأرجح إلى المزيد من حالات التعثر في سداد القروض في المدى القريب، وأظهر المسح أن متوسط نسبة الديون المعدومة إلى حجم الائتمان الإجمالي في 29 مصرفا آسيويا توافرت بياناتهم استقر عند 1.9 بالمئة العام الماضي وهو أعلى مستوى منذ عام 2009 مقابل 2.5 بالمئة في 2008.

أترك تعليقك