الفوضى القادمة: انهيار النفط وميلاد نظام عالمي جديد؟

0

انخفض سعر برميل النفط إلى أدنى مستوياته، ومع صعود مصادر الطاقة البديلة، لن تكون الساحة الجيوسياسية كما كانت من قبل، و مع نهاية عام 2015، تمنى الكثيرون في صناعة الطاقة العالمية ارتفاع أسعار النفط مرة أخرى، واستعادة عالم النفط مركزه في منتصف القرن الماضي، ومع ذلك، تشير جميع التوقعات إلى استمرار الهبوط في أسعار النفط في عام 2016؛ وهو انخفاض قد يمتد إلى عام 2020 وما بعده أيضًا، ونظرًا لمركزية النفط (وعائدات النفط) في معادلة القوة العالمية، سيؤدي ذلك إلى هزة عميقة في النظام السياسي، لا سيما مع خسارة الدول المنتِجة للنفط مثل المملكة العربية السعودية وروسيا لدورها البارز على الساحة العالمية ونفوذها الجيوسياسي.

زلزال انخفاض الأسعار
ولوضع الأمور في نصابها؛ ففي يونيو عام 2014 وصل سعر خام برنت، المؤشر العالمي للنفط، إلى 115 دولارًا للبرميل، وقتها ذكر محللو الطاقة أنَّ أسعار النفط ستبقى عند سعر 100 دولار للبرميل في المستقبل، وربما ترتفع تدريجيًا إلى مستويات عالية، وقد ألهمت هذه التنبؤات شركات الطاقة العملاقة لاستثمارات بمئات المليارات من الدولارات في ما أُطلق عليه بعد ذلك الاحتياطيات النفطية “غير التقليدية”؛ كالنفط في القطب الشمالي، ورمال القطران الكندية، والمحميات البحرية العميقة، والتشكيلات الصخرية الكثيفة، وقد بدا واضحًا بعد ذلك أنه مهما كانت مشاكل وتكلفة استخراج احتياطيات الطاقة، سيتم تحقيق الأرباح عاجلًا أم أجلًا، لأن سعر النفط حتماً سيرتفع، وكانت المشكلة في أنَّ تكلفة استغلال واستخراج هذه الاحتياطيات قد تصل إلى 50 دولار أو أكثر للبرميل.

وفي الوقت الحالي، وصل سعر خام برنت إلى نحو 38 دولارًا للبرميل، ثلث سعره قبل 18 شهرًا، والأسوأ من ذلك، في السيناريو الأخير الذي اقترحته وكالة الطاقة الدولية، هو أن الأسعار قد لا تصل مرة أخرى إلى نطاق يتراوح بين 50 إلى 60 دولار حتى عام 2020، أو العودة إلى سعر 85 دولار للبرميل حتى عام 2040، وقد فكّر في هذا الأمر وكأن الطاقة هي المعادل الموضوعي لزلزال قوي، زلزال في الأسعار، من شأنه أن ينهي ليس فقط الكثير من المشاريع النفطية الجارية الآن ولكن بعض الشركات (والحكومات) التي تمتلكها أيضًا.

المسار الحالي في أسعار النفط له آثار واضحة على شركات النفط العملاقة وجميع المؤسسات التابعة مثل مورّدي المعدات، وشركات الحفر، وشركات الشحن، ويهدّد أيضًا بتحول عميق على النطاق الجيوسياسي وثروات الدول الرئيسية المنتِجة للطاقة، كثير من تلك الدول، مثل نيجيريا، والمملكة العربية السعودية وروسيا وفنزويلا، تعاني بالفعل من اضطراب اقتصادي وسياسي نتيجة لذلك، (فكّر في الأمر وكأنه هدية للجماعة الإرهابية بوكو حرام التي تعمل لزعزعة استقرار نيجيريا تحت وطأة انخفاض الأسعار)، ومع استمرار مستويات الأسعار على هذا النحو، ستصبح العواقب المترتبة عليها وخيمة ومدمرة.

لماذا ارتفعت أسعار النفط أصلاً؟
بصفة عامة، ترتفع أسعار النفط مع قوة الاقتصاد العالمي، وارتفاع الطلب العالمي، وضخ الشركات المنتجة للنفط بمستويات قصوى، وعند وجود مخزون قليل أو طاقة فائضة، بينما تنخفض الأسعار، كما هو الحال الآن، عند ركود الاقتصاد العالمي وانخفاض الطلب على الطاقة، وفشل الموردين الرئيسيين في كبح جماح الإنتاج بما يتماشى مع تراجع الطلب، ومع تراكم فائض النفط، وتأكيد الإمدادات المستقبلية.

خلال سنوات ازدهار الإسكان، في بداية الألفية، ازدهر الاقتصاد العالمي، وارتفع الطلب، وتوقع العديد من المحللين “ارتفاع” وشيك في الإنتاج العالمي تليه ندرة كبيرة، وليس من المستغرب أن ارتفعت أسعار خام برنت إلى مستويات فائقة، حيث بلغ الرقم القياسي عند سعر 143 دولارًا للبرميل في يوليو عام 2008، ومع انهيار بنك “ليمان براذرز” في 15 سبتمبر من ذلك العام وما أعقب ذلك من انهيار في الاقتصاد العالمي، تلاشى الطلب على النفط، وانخفضت الأسعار إلى 34 دولارًا في شهر ديسمبر من نفس العام، ومع غلق المصانع ووجود ملايين العاطلين عن العمل، ذكر معظم المحللين أن أسعار النفط ستبقى منخفضة لبعض الوقت في المستقبل، ولم يكن المحللين يتخيلون المفاجأة الكبيرة عندما ارتفع سعر خام برنت إلى 77 دولارًا للبرميل في أكتوبر 2009، وبعد أكثر من عامين، في فبراير عام 2011، تجاوزت الأسعار عتبة 100 دولار، وظلت ثابتة حتى يونيو عام 2014.

كان هناك عدّة عوامل أدت إلى هذا الانتعاش في الأسعار، لا شيء أكثر أهمية مما كان يحدث في الصين؛ حيث قررت السلطات تنشيط الاقتصاد من خلال الاستثمار بكثافة في البنية التحتية، وخاصة الطرق والجسور، والطرق السريعة، إضافة إلى ارتفاع ملكية السيارات بين الطبقة الوسطى في المناطق الحضرية، وكانت النتيجة زيادة حادة في الطلب على الطاقة، ووفقًا لشركة النفط العملاقة بريتيش بتروليوم، فقد قفز استهلاك النفط في الصين بنسبة 35 بالمئة بين عامي 2008 و2013، من 8.0 مليون إلى 10.8 مليون برميل يوميًا، كما حذت الدول سريعة النمو مثل البرازيل والهند حذو الصين في فترة تراجع الإنتاج في العديد من حقول النفط التقليدية، وبالتالي، تمّ الاتجاه إلى تلك الاحتياطيات النفطية “غير التقليدية” ذات التكلفة العالية في الاستخراج.

الحقول غير التقليدية وبداية السقوط
في بداية عام 2014، بدأ تأرجح الأسعار، وظهر الإنتاج من الحقول غير التقليدية في الولايات المتحدة وكندا، وازداد الإنتاج المحلي من الخام الأمريكي، والذي كان قد انخفض من 7.5 مليون برميل يوميًا في يناير عام 1990 إلى 5.5 ملايين برميل في يناير عام 2010، ليصل إلى 9.6 مليون برميل في يوليو عام 2015، وجاءت جميع كميات النفط الإضافية من استغلال تشكيلات الصخر الزيتي في ولايتي نورث داكوتا وتكساس، وشهدت كندا ارتفاعًا حادًا مماثلا في الإنتاج، حيث بدأ الاستثمار المكثف في رمال القطران يؤتي ثماره، ووفقًا لشركة بريتيش بتروليوم، قفز الإنتاج الكندي من 3.2 مليون برميل يوميًا في عام 2008 إلى 4.3 مليون برميل في عام 2014، ولا يمكن نسيان أنه تم تكثيف الإنتاج أيضًا في العديد من الأماكن الأخرى كالحقول البحرية العميقة في المحيط الأطلسي قبالة كل من البرازيل وغرب أفريقيا، في تلك اللحظة بالذات، نجحت العراق التي مزقتها الحرب في رفع إنتاجها بمقدار ما يقرب من مليون برميل يوميًا.

لقد كانت الأرقام مذهلة، ولكنَّ الطلب لم يكن يواكب هذا التطور السريع، حيث تلاشت حزمة التحفيز الاقتصادي الصينية إلى حد كبير وانخفض الطلب العالمي على السلع المصنعة في ذلك البلد، وذلك بفضل النمو الاقتصادي البطيء أو المنعدم في الولايات المتحدة وأوروبا، واليابان، ومن معدل نمو سنوي مذهل بنسبة 10 بالمئة على مدى السنوات الثلاثين الماضية، انخفض معدل النمو في الصين بشكل حاد (رغم أنه لا يزال عند نحو 7 بالمئة وهو معدل مرتفع عالمياً، إلا أنه بالنهاية يمثل تراجعاً عما كان عليه). وعلى الرغم من أنه من المتوقع أن يستمر ارتفاع الطلب على النفط في الصين، فإنه ليس من المتوقع أن ينمو في أي شيء على نحوٍ مماثل لوتيرة السنوات الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، ظهر تأثير زيادة كفاءة الوقود في الولايات المتحدة، المستهلك الأول للنفط في العالم، على الطاقة العالمية. وفي ذروة الأزمة المالية في البلاد، عندما أنقذت إدارة أوباما شركة جنرال موتورز وشركة كرايسلر، أجبر الرئيس الأمريكي مصنعي السيارات الكبرى على الاتفاق على مجموعة من المعايير التي ترفع من كفاءة استهلاك الوقود في السيارات الجديدة والتي تقلل الآن من الطلب الأمريكي على النفط. وبموجب الخطة التي أعلنها البيت الأبيض في عام 2012، فإنَّ متوسط كفاءة استهلاك الوقود في السيارات الأمريكية الصنع والمركبات الخفيفة سيرتفع إلى 54.5 ميلاً للغالون الواحد بحلول عام 2025، ومن المتوقع خفض استهلاك النفط في الولايات المتحدة بنسبة 12 مليار برميل.

في منتصف عام 2014، أدت هذه العوامل إلى عاصفة من انخفاض الأسعار، في ذلك الوقت، اعتقد العديد من المحللين أنَّ السعوديين وحلفائهم في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، كما في الماضي، سوف يستجيبون من خلال تقليل الإنتاج لدعم الاسعار، ومع ذلك، في 27 نوفمبر عام 2014، أربكت أوبك تلك التوقعات، وصوتت للحفاظ على حصص الإنتاج للدول الأعضاء، وفي اليوم التالي، انخفض سعر النفط الخام بواقع 4 دولارات.

نظريات التحكم بالأسعار
في بداية عام 2015، أعرب العديد من المدراء التنفيذيين لشركات النفط عن آمالهم في أن هذه القواعد ستتغيّر قريبًا، وأنَّ الأسعار سترتفع مرة أخرى، ولكن التطورات الأخيرة أحبطت مثل هذه التوقعات، و بصرف النظر عن التباطؤ الاقتصادي المستمر في الصين وزيادة إنتاج النفط في أمريكا الشمالية، كان العامل الأهم في توقعات النفط غير المبشرة والتي تمتد الآن إلى عام 2016 وما بعده، هو مقاومة السعودية الصامدة لأي مقترحات للحد من إنتاجها أو إنتاج منظمة أوبك، وفي 4 ديسمبر عام 2015، على سبيل المثال، صوّت أعضاء منظمة أوبك مرة أخرى للحفاظ على حصص الإنتاج عند مستوياتها الحالية، وفي هذه العملية، انخفضت الأسعار بنسبة 5 بالمئة، في حين استمرت المملكة في زيادة الإنتاج إلا أن المملكة قد قررت مؤخراً مع بعض حلفائها في أوبك إلى التراجع -ولو قليلا- في معدلات الإنتاج بعد الانخفاضات الكبرى التي شهدتها أسواق النفط، وهو ما أدى إلى عودة الأسعار إلى الارتفاع قليلاً، لكن ذلك غير مرجح له لأن يستمر.

وقد انتشرت العديد من النظريات لمقاومة السعوديين لتخفيضات الإنتاج، بما في ذلك الرغبة في معاقبة إيران وروسيا لدعمها نظام الأسد في سوريا، ويرى العديد من المحللين، أنَّ السعودية تعتبر نفسها أفضل حالًا من منافسيها لتحمل انخفاض أسعار النفط على المدى الطويل بسبب انخفاض تكاليف إنتاجها والاحتياطيات الأجنبية الضخمة التي تمتلكها، لكنَّ التفسير الأكثر ترجيحًا، وهو التفسير الذي ذكرته المملكة؛ وهو أنها تسعى للحفاظ على بيئة أسعار تكون فيها الشركات المنتِجة للنفط الصخري الأمريكي خارج السوق، وقال مسؤول سعودي كبير لصحيفة فايننشال تايمز في الربيع الماضي: “ليس هناك شك في ذلك، هبوط أسعار النفط خلال الأشهر القليلة الماضية أثنى المستثمرين عن شراء النفط الصخري المكلّف بما في ذلك الزيوت الثقيلة”.

وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي تبذلها السعودية، إلّا أنَّ الشركات الأمريكية قد تكيفت مع بيئة الأسعار المنخفضة، وخفضت التكاليف وأجرت عمليات غير مربحة، بالرغم من إعلان العديد من الشركات الصغيرة إفلاسها، ونتيجة لذلك، فإنَّ إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة، بما يقرب من 9.2 مليون برميل يوميًا، هو في الواقع أعلى قليلًا مما كان عليه قبل عام ولم ينخفض.

وبعبارة أخرى، حتى مع سعر 33 دولارًا للبرميل، يستمر الإنتاج في التفوق على الطلب العالمي ويبدو أن هناك احتمالًا ضئيلًا لارتفاع الأسعار على نحو مقارب لما كانت عليه سابقاً، خصوصاً مع استمرار العراق وإيران في زيادة الإنتاج، ومع خسارة تنظيم الدولة الإسلامية للأراضي التي يسيطر عليها في العراق ومعظم حقول النفط الرئيسية التي لا تزال في يد الحكومة، إذ من المتوقع أن تستمر زيادة الإنتاج في العالم إجمالاً. وفي الواقع، يتوقع بعض المحللين أنَّ إنتاج العراق قد يزيد خلال العقد القادم من ثلاثة ملايين برميل في اليوم إلى تسعة ملايين برميل.

كيف يمكن للأسعار أن ترتفع مرة أخرى؟
ثمة ثلاث تطورات يمكنها تغيير البيئة منخفضة الأسعار الحالية للنفط: الحروب الدائرة في الشرق الأوسط والتي من شأنها أن تدمر مصدّري الطاقة الرئيسيين، قرار سعودي بتقييد الإنتاج من أجل زيادة الأسعار، وهو ما تم فعلاً وأدى إلى ارتفاع بسيط، أو ارتفاع عالمي غير متوقع في الطلب، و احتمال نشوب حرب جديدة، على سبيل المثال، بين إيران والمملكة العربية السعودية هو أمر لا يمكن استبعاده، على الرغم من أن كلا الطرفين ليس لديه القدرة أو الميل للقيام بمثل هذه الخطوة المحفوفة بالمخاطر بالمقابل، فقد صدر قرار سعودي بتقييد الإنتاج، نظرًا للانخفاض الحاد في الإيرادات الحكومية، رغم أن المملكة قد أكّدت مرارًا على عزمها على تجنب مثل هذه الخطوة، حيث أنها ستصب في مصلحة المنتجين، وشركات النفط الصخري في الولايات المتحدة، والتي تسعى المملكة للقضاء عليه، إلا أن الارتفاع الذي شهدته أسعار النفط بعد إعلان السعودية تقييد الإنتاج لا يزال غير كافٍ لإنعاش إنتاج النفط الصخري، لذلك فإن السعودية وأوبك لا يزالان ينتصران في حربهما على النفط الصخري الذي يتطلب إنتاجه أسعاراً مرتفعة حتى يشكل جدوى اقتصادية لمنتجيه، أما في العنصر الثالث فإنه يبدو أنه من غير المحتمل حدوث ارتفاع مفاجئ في الطلب، ليس فقط لأن النشاط الاقتصادي لا يزال بطيئًا في الصين وأجزاء أخرى كثيرة من العالم، ولكن هناك من عراقيل أخرى ينبغي أن تقلق منها السعودية على الأقل بقدر قلقها من النفط الصخري القادم من أمريكا الشمالية؛ فالنفط نفسه بدأ يخسر بعض جاذبيته.

العالم بدأ يغير نظرته تجاه النفط
في حين أنَّ المستهلكين الأثرياء الجدد في الصين والهند يستمرون في شراء سيارات تعمل بالطاقة المستخرجة من النفط، إلا أن هناك أعداداً متزايدة من المستهلكين في الدول الصناعية الأقدم تفضل السيارات الهجينة (الهايبرد، التي تعمل بالبنزين والكهرباء) أو تلك التي تعمل بالكهرباء فقط، وتبحث عن وسائل نقل بديلة، وعلاوة على ذلك، ومع القلق إزاء تغيّر المناخ المتزايد عالميًا، فإنَّ العديد من سكّان المدن والمناطق الحضرية يختارون العيش من دون سيارات تمامًا، والاعتماد بدلًا من ذلك على الدراجات ووسائل النقل العام. وبالإضافة إلى ذلك، فإنَّ استخدام مصادر الطاقة المتجددة – الشمس والرياح، والطاقة المائية – آخذ في الارتفاع وسيزداد بسرعة أكبر خلال هذا القرن، وقد دفعت هذه الاتجاهات بعض المحللين إلى التكهن بأنَّ الطلب العالمي على النفط سوف يصل إلى ذروته قريبًا ومن ثمّ ستليه فترة من تراجع الاستهلاك.

التأثير السياسي على الدول المصدرة
تحصل العديد من البلدان على حصة كبيرة من دخلها من صادرات النفط والغاز الطبيعي، وقد اكتسبت هذه الدول نفوذًا هائلًا على الساحة العالمية وهي الآن تعاني من تآكل دورهم بسبب انخفاض النفظ فبات يشعر قادة تلك الدول باستياء شديد، رغم التباهي بارتفاع عائدات النفط في السابق، حيث كانوا يوزعون الأموال لنيل شعبية أكبر لهم داخل بلدانهم، لكن ذلك قد لا يكون ممكناً في المستقبل، و تحصل الحكومة النيجيرية، على سبيل المثال، على 75٪ من عائداتها من مبيعات النفط، وتحصل روسيا على 50٪، وفي فنزويلا على 40٪. مع وصول سعر النفط الآن إلى ثلث السعر منذ 18 شهرًا، تراجعت عائدات تلك الدول، وأصبح هناك عائقًا أمام قدرتها على القيام بمبادرات محلية وخارجية طموحة.

في نيجيريا، أدى الإنفاق الحكومي المنخفض والفساد المستشري إلى انهيار مصداقية حكومة الرئيس غودلاك جوناثان وساعد في اشعال تمرد بوكو حرام، مما دفع الناخبين النيجيريين للتخلي عنه في الانتخابات الأخيرة وتنصيب الحاكم العسكري السابق، محمد بخاري، مكانه، ومنذ توليه مهام منصبه، تعهد بخاري بالقضاء على الفساد، وسحق بوكو حرام، والعمل على تنويع مصادر الاقتصاد، والتقليل من الاعتماد على النفط.

الصمود في وجه الانخفاض: ماذا عن السعودية؟
كما عانت المملكة العربية السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، ولكنها تبدو – في الوقت الراهن على الأقل – في وضع أفضل من غيرها إلى حد ما للصمود في وجه تلك الصدمات، فعندما كانت أسعار النفط مرتفعة، احتفظت السعودية بمخزون هائل من الاحتياطيات الأجنبية، تُقدّر بثلاثة أرباع تريليون دولار، والآن مع انخفاض الأسعار، تعتمد المملكة على تلك الاحتياطيات للحفاظ على الإنفاق الاجتماعي السخي لدرء الاضطرابات الداخلية وتمويل تدخلاتها الطموحة في الحرب الأهلية في اليمن، والتي باتت تبدو بالفعل وكأنها “فيتنام” السعودية.

ومع ذلك، فقد انخفضت هذه الاحتياطيات بقيمة 90 مليار دولار منذ العام الماضي، وأعلنت الحكومة بالفعل عن تخفيضات في الإنفاق العام، مما دفع بعض المراقبين إلى التساؤل إلى متى يمكن أن تستمر العائلة المالكة في إخماد الاستياء الشعبي المتزايد في البلاد، حتى لو غيّرت السعودية اتجاهها وقللت من الإنتاج لدفع سعر احتياطي النفط، فإنه من غير المحتمل أن ترتفع عائدات النفط بدرجة كافية للحفاظ على أولويات الإنفاق الراهنة، وهو ما نراه الآن.

كما تواجه الدول الأخرى المنتِجة للنفط احتمال حدوث اضطراب سياسي، بما في ذلك الجزائر وأنغولا، إذ اعتمد قادة البلدين طوال السنوات الماضية ذات الدرجة الخادعة المعتادة من الاستقرار في الدول المنتجة للطاقة من خلال السخاء المعتاد من الحكومة، ولكن كل هذه الأمور انتهت الآن، وهو ما يعني أن كلا البلدين قد يواجهان تحديات داخلية.

ثورة الطاقة الخضراء والعالم الجديد
يجب أن يوضع في الاعتبار أنَّ زلزال أسعار النفط لم يصل بعد إلى القوة الكاملة؛ فالأسعار، بطبيعة الحال، سترتفع يومًا ما، وهذا أمر لا مفر منه؛ نظرًا للطريقة التي ينهي بها المستثمرون مشاريع الطاقة العالمية، ولكن على كوكب الأرض الذي يتجه لثورة باتجاه الطاقة الخضراء، ليس هناك ما يضمن أن تصل الأسعار إلى مستويات 100 دولار أو أكثر مرة أخرى.

وأيًا كان ما سيحدث لأسعار النفط والدول المنتِجة، فإنَّ العالم يمر في مرحلة تحول كبرى، فالنظام السياسي العالمي الذي كان يعتمد على ارتفاع أسعار النفط في السابق، انتهى الآن، أو هو على مشارف الانتهاء، وبالرغم من أن هذا قد يصعب الأمور على البعض، خاصة مواطني الدول التي تعتمد على التصدير مثل روسيا وفنزويلا، لكنه يمكن أن يساعد في تسهيل التحول إلى عالم مدعوم من أشكال الطاقة المتجددة.

أترك تعليقك